عبد الرحمن بن محمد البكري
46
الأنوار في علم الاسرار ومقامات الأبرار
ورائح ، ونية . وقال : الورع أخذ ما صفى للحق ، وترك ما مازجه الباطل . وقال : الورع كف الأذى ، وترك ما لا يعنى . وقال : الورع : التوقف عن الشبهات ، والإشفاق في أخذ الشهوات ، والتعفف ، وترك الرغبة ، والحرص ، والقناعة ، والقصد بمدافعة لذة الشهوة خوف عادة الشره « 1 » . [ الزهد ] وقال : الزهد قصر الأمل بإخراج الدنيا من القلب ، في اليد . وقال : الزهد أخذ المعلوم للوقت ، وإخراج الفضل . وقال : الزهد الأنس باللّه ، وبذكره ، وسعة الخلق ، والانبساط ، والتواضع لغير طمع .
--> ( 1 ) قال الإبيارى في حقيقة الورع : اعلم أن الورع يطلق صفة ، ويطلق مصدرا ، فإذا أطلق صفة ، فقد تنازع أهل اللغة فيه ، فذهب الأكثرون إلى أن الورع الرجل الجبان ، وقال ابن السكيت : وأصحابنا يذهبون إلى أن الورع الرجل الجبان وليس هو عندي كذلك ، وإنما المراد به الصغير الضعيف . . . وغرضنا الذي تصدينا لبيانه الورع الذي هو مصدر دون الصفة ، فحدّه من اللغة التجنب مطلقا أو الحبس أو الكف على ما تقدم بيانه من غير تخصيص واقتصار ، وحدّه عند أهل الشريعة : اجتناب المباح ، ونحن نبين جهة التجوز فيه إذ لا بد بين المجاز والحقيقة من نوع مداناة ، وذلك أن ترك المباح إنما يحسن تسميته ورعا ، إذا ترك المباح وأتى بعبادة يكون المباح مانعا منها ، فيكون مثابا على ما أتى به من العبادة عند ترك المباح لا على ترك المباح ولما كان تارك المنهى عنه مثابا على تركه ، وتارك المباح مثابا عند تركه حسن تسمية ترك المباح ورعا على ما قررناه . فإن اعتقد أنه مثاب على مطلق الترك كان غلطا وإن وقع الاعتراف بالاقتراب وصرف الثواب إلى جانب الفعل دون الترك فلا نزاع من جهة المعقول والمنقول ولإطلاق اللفظ مجاز أوجه قد سبق ، والذي يحقق ما قلناه أنا نطلب الورع المطلوب في الشريعة الواقع قربة وطاعة ، وحد المباح هو الذي خير الشرع بين فعله وتركه من غير مدح ولا ذم على تركه وفعله ، فإذا تحقق النهى والاستواء شرعا لم يتصور أن يكون التارك مطيعا لعدم تعلق الطلب بالترك ، بل كما يستحيل أن يكون تارك الواجب والمندوب متورعا شرعا لكون الشرع لم يطلب الترك فيهما ، فكذلك يستحيل أن يكون تارك المباح متورعا شرعا . . انظر : ( الورع ص 16 ) .